الذهبي
377
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
فقالت : عندي دابّة قد ماتت ، وما لي من يجرّها عنّي . فقال : امض وحصّلي [ ( 1 ) ] لي حبلا حتّى أبعث من يجرّها . فمضت وفعلت ، فجاء بنفسه وربط الحبل في الدّابّة ، وجرّها إلى باب البلد ، فجرّوها عنه . وكان متواضعا لا يركب فرسا ولا بغلة ، بل لمّا كبر كان يركب حمارا ، ويمنع من أن يوطأ عقبه . وكان دأبه جبر قلوب الضّعفاء من النّاس . وكان في الزّاوية شيخ كبير به قطار البول ، فكان يبدّد الصّاغرة من تحته . وكان لا يمكّن أحدا من تقبيل يده ، ويقول : من مكّن أحدا من تقبيل يده نقص من حاله شيء . وكان لا يقبل إلّا ممّن يعرف أنّه طيّب الكسب . وحدّثني الإمام شمس الدّين الدّباهيّ قال : حدّثني الشّيخ عبد اللَّه كشلة قال : قدمت على الشّيخ أبي بكر بمنزله ببالس ، فلمّا رأيته هبته ، وعلمت أنّه وليّ اللَّه ، ورأيته يحضر السّماع بالدّفّ ، وكنت أنكره ، غير أني كنت أحضر السّماع بغير الدّفّ ، وقلت في نفسي : إن حضرت مع هذا الوليّ وحصل منّي إنكار عليه حصل لي أذى . وخشيت من قلبه ، فغبت ولم أحضر . توفّي الشّيخ في سلخ رجب سنة ثمان وخمسين بقرية علم ودفن بها . فأخبرني والدي أنّ أباه أوصى أن يدفن في تابوت وقال : يا بنيّ أنا لا بد أن أنقل إلى الأرض المقدّسة . فنقل بعد اثنتي عشر سنة ، وسرت معه إلى دمشق ، وشهدت دفنه ، وذلك في تاسع المحرّم سنة سبعين . ورأيت في سفري معه عجائب ، منها أنّا كنّا لا نستطيع غالب اللّيل أن نجلس عنده لكثرة تراكم الجنّ عليه وزيارتهم له [ ( 2 ) ] . قلت : وقبره ظاهر يزار بزاوية ابن ابنه الشّيخ القدوة العارف شيخنا أبي عبد اللَّه محمد بن عمر ، نفع اللَّه ببركته . 476 - أبو عليّ بن محمد [ ( 3 ) ] بن الأمير أبي عليّ بن باساك .
--> [ ( 1 ) ] في الأصل : « وحصل » . [ ( 2 ) ] ذيل مرآة الزمان 1 / 393 وما بعدها . [ ( 3 ) ] انظر عن ( أبي علي بن محمد ) في : ذيل مرآة الزمان 1 / 384 ، 385 ، والعبر 5 / 251 ،